عمران سميح نزال

24

الوحدة التاريخية للسور القرآنية

فقام النبي عليه الصلاة والسلام ببيانها عمليا وكذلك الزكاة والصيام والحج وغيرها . وبذلك تكون آيات سورة القيامة دليلا قطعي الثبوت وقطعي الدلالة على أن جمع القرآن الكريم هو مما تكفّل اللّه به وقام به فعلا ، وهو ما ثبت فعلا باتباع النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الجمع أولا ، وبعدم وقوع الاختلاف فيه في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ، ولا بعد وفاته ، فلم يجمع القرآن الكريم أحد من المسلمين على خلاف الجمع الذي جمعه اللّه تعالى به ، ولا خلاف الجمع الكتابي الذي جمعه النبي عليه الصلاة والسلام وأبلغه لأمته ، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة طه المكية : وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ( 113 ) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ( 114 ) « 1 » . وهذا الجمع للقرآن هو الجمع الحقيقي لأنه جمع لما نزل مفرقا ، وجامعه هو الذي أنزله مفرقا وهو اللّه تبارك وتعالى ، واللّه أعلم بما أنزل مفرقا وأعلم بتاريخ نزوله ومكانه وموضع جمعه عند نزوله ، ولما كان هذا الجمع من اللّه تعالى وهو أول جمع لآيات القرآن الكريم حقيقة ، فقد أسميناه الجمع الحقيقي ، وأطلقنا عليه الجمع الأول ، وهو الجمع الرباني ، أي جمع اللّه تبارك وتعالى ، وهذا هو معنى كلمة الجمع كما وردت في القرآن الكريم ، وكل جمع بعده تابع له ، وفرع منه ، سواء أكان من النبي عليه الصلاة والسلام أم من الصحابة رضوان اللّه عليهم أم ممن أتى بعدهم . والدليل الآخر على أن جمع القرآن الكريم كان من اللّه تعالى قوله تعالى من سورة الفرقان : وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ( 32 ) ، ومعنى الترتيل : اتساق الشيء وانتظامه على استقامة « 2 » ، والضمير عائد على اللّه تبارك وتعالى ، أي أن اتساق القرآن وانتظامه

--> ( 1 ) انظر : الجامع لأحكام القرآن ، محمد بن أحمد القرطبي ، مراجعة : صدقي محمد جميل ، دار الفكر ، بيروت ، 1415 ه - 1995 م ، ج 19 / ص 96 . ( 2 ) مفردات ألفاظ القرآن ، الراغب الأصفهاني ، ص 341 .